السيد محمد حسين فضل الله
72
من وحي القرآن
مشتق من الأصل العبري ( ص ب أ ) أي غطس ثم أسقطت الغين ، وهو يدل بلا ريب على المعمدانيين ، أولئك الذين يمارسون شعائر التعميد أو الغطاس ، وربما كان الصابئون الوثنيون الذين لم يعرفوا هذه الشعائر على الإطلاق ، قد اصطنعوا هذا الاسم من قبيل الحيطة مبتغين أن ينعموا بالسماحة التي أظهرها القرآن لليهود والنصارى . وذكر كتّاب العرب منذ القرن الرابع الهجري صابئة حرّان في كثير من الأحيان واهتموا بهم في كل حال . وقد أفرد الشهرستاني لهم ولشرح أقوالهم فصلا مسهبا غاية في الإسهاب ، وهو يسلكهم في سلك الروحانيين وبخاصة روحاني الكواكب الكبرى ، والصابئة يقولون إن معلميهم الأوّلين هما النبيّان الفيلسوفان عاذيمون - أي الروح الطيب - وهرمس ، وقيل إن عاذيمون هو شيث وإن هرمس هو إدريس . وكان أورفيوس من أنبيائهم . ومذهب الصابئة أن للعالم صانعا فاطرا حكيما مقدّسا عن سمات الحدثان ، نعجز عن الوصول إلى جلاله ، وإنما نتقرب إليه بالمتوسطات المقربين لديه وهم الروحانيون المطهرون المقدّسون جوهرا وفعلا وحالة ، أما تقديسهم جوهرا ، فيراد به تقديسهم عن المواد الجسمانية ، وتبرئتهم عن القوى الجسدية ، وتنزيههم عن الحركات المكانية والتغيّرات الزمانية ، وهؤلاء هم الأرباب والآلهة والوسائل والشفعاء عند اللّه رب الأرباب . وأما نحن فلتحصل لنا مناسبة بيننا وبين الروحانيات ، فيجب علينا أن نطهّر نفوسنا من دنس الشهوات الطبيعية ، ونهذّب أخلاقنا من علائق القوى الشهوانية والغضبية . وأما تقديسهم فعلا ، فقد قال الصابئة : الروحانيات هي الأسباب الوسائط في الاختراع والإيجاد وتصريف الأمور من حال إلى حال ، يستمدون القوة من الحضرة الإلهية القدسية ، ويفيضون الفيض على المخلوقات السفلية ، ويوجهون المخلوقات من مبدأ إلى كمال . ومن الروحانيات مدبرات الكواكب السبع السيّارة في أفلاكها ، وهي هياكلها ، ولكل هيكل فلك ، ونسبة الروحاني إلى ذلك الهيكل الذي اختص به